في 7 أبريل/نيسان 2022، تنحّى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عن منصبه، وأنشأ، تحت إشراف ما يُعرف بـ "الرباعية اليمنية" التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة، مجلس القيادة الرئاسي. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها: جمع الفصائل السياسية اليمنية المتناحرة تحت "خيمة واحدة".
غير أن المفارقة في نهج "الخيمة الكبرى" أنها استراتيجية دبلوماسية مفضلة، رغم أنها لم تنجح يومًا. وفي السياق الأمريكي، يمكن تشبيهها بمحاولة إجبار دونالد ترامب وكامالا هاريس على تقاسم مكتب واحد. واليمنيون ليسوا استثناءً. فبينما سعت الرباعية نظرياً إلى توحيد وتوجيه الطاقة السياسية اليمنية نحو هزيمة الحوثيين، جاء مجلس القيادة الرئاسي بنتائج عكسية، إذ انشغلت مختلف الأطراف اليمنية بتقويض خصومها، حتى لو أدى ذلك إلى نشر الفوضى أو خدمة أجندة الحوثيين.
سرعان ما كشف مجلس القيادة الرئاسي عن نفسه بوصفه كياناً شكلياً. فرئيسه الاسمي رشاد العليمي لا يسيطر على شيء على الأرض؛ وهو أشبه بإدموندو غونزاليس أوروتيا، مرشح المعارضة الفنزويلية الذي تعترف به الولايات المتحدة رسميًا، لكنه في الواقع لا يملك أي نفوذ فعلي.
داخل مجلس القيادة الرئاسي، تبرز شخصيتان فقط لهما وزن حقيقي: طارق صالح قائد المقاومة الوطنية، الذي يسيطر على المنطقة المحيطة بالمخا على ساحل البحر الأحمر، وعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي. والسبب بسيط: كلاهما يحكم أرضًا فعلية ويقدّم خدمات لسكانها.
اليوم، وبينما تعاني مناطق شمال اليمن الخاضعة اسمياً لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً من انعدام الأمن الأساسي، تستمر الحياة في جنوب اليمن بصورة طبيعية، وتواصل الأوضاع الأمنية تحسّنها. ولهذا جاء القصف السعودي لمدينة المكلا، إحدى أكثر المدن اليمنية استقراراً،صادماً وادى إلى نتائج عكسية.
إن قرار ولي العهد محمد بن سلمان قصف المدينة وقواتها الأمنية كان بمثابة "هدية رأس السنة" للحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهما الخصمان اللذان قاتلتهما قوات الزبيدي الجنوبية. كما أن التقدم الأخير لهذه القوات في حضرموت عزز معركتها وأسهم في تحسين الأمن اليمني عموماً، لا سيما أن حزب الإصلاح، الذراع اليمنية لجماعة الإخوان المسلمين، كان متورطاً في تهريب السلاح لكليهما. أما إقدام السعودية على حماية عنصر إصلاحي مثل أمجد خالد، فيشبه تساهلها السابق مع أسامة بن لادن.
جاء الدفع السعودي نحو قصف جنوب اليمن ثم فرض حصار عليه لصالح فصيل إخواني عاجز لكنه طامح، في وقت كانت فيه الأمم المتحدة وعدة منظمات دولية غير حكومية تستعد لزيارة مدينة سيئون في وسط حضرموت لتقييم الوضع الميداني. وتشير عرقلة المسؤولين القنصليين اليمنيين في الرياض—في البداية—لمنح تأشيرات لمسؤولي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين الدوليين، إلى رغبة سعودية، ومعها وكلاؤها اليمنيون، في كتم الأخبار التي تفيد بأن ترسيخ القوات الجنوبية لسيطرتها في حضرموت كان محل ترحيب شعبي، ومكسباً صافياً للأمن.
إن القصف السعودي لقوات مناهضة للحوثيين ينبغي أن يدفع إلى مراجعة جذرية للسياسة الأمريكية. وأول ما يجب فعله هو إنهاء مجلس القيادة الرئاسي؛ فهو بلا سيطرة فعلية ويؤدي دوراً سلبياً. وينبغي أن يكون معيارا الدعم الأمريكي الوحيدين هما: السيطرة على الأرض، والالتزام بمحاربة الحوثيين وتنظيم القاعدة.
وعلى إدارة ترامب أن تبادر فوراً إلى تصنيف حزب الإصلاح، استناداً إلى إعلان ترامب الصادر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي دعا فيه إلى "تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية أجنبية وكيانات إرهابية عالمية مصنفة". وستبعث هذه الخطوة برسالة واضحة إلى الرياض مفادها أن استمرارها في رعاية الإخوان المسلمين يشكل خطاً أحمر. ومن المرجح أن تكون السياسة السعودية قابلة للتعديل، إذ إن دعمها للإخوان في اليمن لا ينبع من ولاء أيديولوجي بقدر ما يعكس تنافسها مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وإذا أراد ولي العهد محمد بن سلمان منافسة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، فبوسعهما القيام بذلك اقتصادياً ودبلوماسياً بطرق لا تقوّض الأمن الأمريكي ولا تحكم على اليمنيين بمزيد من عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، تمدّ ألوية العمالقة الجنوبية غصن الزيتون لقوات درع الوطن التي ترعاها السعودية كواجهة سياسية لرشاد العليمي. وعلى السعودية أن تلتقط هذه الفرصة وتتبنى مسار اندماج منظم. أما إذا لم تفعل، فعلى الشركاء الدوليين لليمن أن يوجّهوا رسالة واضحة إلى الرياض مفادها أن عرقلة جهود مكافحة الحوثيين وتخريبها سيكونان أسرع طريق لتجريد السعودية من أي دور في رسم مستقبل اليمن.










