أما آن الأوان لشعبٍ قدّم كل التضحيات أن يستريح؟
لماذا تحولت الشراكة مع الشرعية إلى نقطة خلاف داخل الشارع الجنوبي؟
هل كانت حسابات المجلس الانتقالي السياسية خاطئة؟
كيف استُغلت إخفاقات الحكومة لتشويه المسار الجنوبي؟
هل تمر العلاقة مع السعودية بمرحلة خلاف أم مراجعة؟
كيف يمكن فهم الإشكالات الراهنة بعيدًا عن خطاب التصعيد؟
لماذا تمثل دعوة الحوار الجنوبي–الجنوبي خطوة مفصلية؟
من يملك كلمة الفصل في مستقبل الجنوب؟
إلى أين يمضي الجنوب إذا غاب الحوار؟
حامل راية الجنوب !!
تشهد الساحة الجنوبية مرحلة دقيقة تتسم بتداخل العوامل السياسية والأمنية، في ظل المستجدات التي شهدتها بعض محافظات الجنوب، وما أفرزته من تفاعلات على مستوى المشهد الجنوبي الداخلي. وقد أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على جوهر القضية الجنوبية، وطبيعتها، ومسارها، باعتبارها قضية شعب لا تختزل في لحظة سياسية ولا ترتبط بكيانات أو أشخاص.
إن ما يمر به الجنوب اليوم يؤكد مجددًا أن قضية شعبه أعمق من أي ترتيبات مرحلية أو خلافات طارئة، وأنها نتاج مسار نضالي طويل بدأ منذ العام 2007م، حين خرج الجنوبيون في حراك سلمي واسع مطالبين بحقوقهم المشروعة، ولا يزالون حتى اليوم يؤكدون تمسكهم بقضيتهم عبر الحضور الشعبي المستمر في الساحات والميادين، وتقديم التضحيات الجسيمة من شهداء وجرحى.
أحداث حضرموت وشبوة والمهرة
جاءت أحداث حضرموت وشبوة والمهرة لتكشف عن هشاشة الترتيبات السياسية القائمة، وعن عمق التباين في الرؤى بين القوى الفاعلة حول إدارة الجنوب ومستقبله. وقد أفرزت هذه الأحداث حالة من التوتر السياسي والإعلامي، رافقتها قراءات متباينة لطبيعة الدور السعودي، ولأداء المجلس الانتقالي الجنوبي، ولحدود الشراكة القائمة سابقًا مع ما يُعرف بالشرعية.
غير أن هذه التوترات، على أهميتها، لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للقضية الجنوبية، باعتبارها قضية شعب، وليست نتاج ظرف سياسي عابر أو خلاف بين أطراف بعينها.
شعب الجنوب هو صاحب القرار
تؤكد مجمل التجربة التاريخية منذ انطلاق الحراك الجنوبي السلمي في العام 2007م وحتى اليوم، أن قضية شعب الجنوب لم تكن يومًا مرتبطة بأشخاص أو مكونات سياسية محددة، بل هي قضية شعب خرج وما زال يخرج إلى الساحات والميادين في مليونيات متعاقبة، معبرًا عن تمسكه بحقه المشروع في استعادة دولته.
لقد قدّم شعب الجنوب قوافل من الشهداء والجرحى، وواجه أنظمة وقوى كانت تمتلك من أدوات القوة ما يفوق ما هو قائم اليوم، ومع ذلك لم تفلح تلك القوى في كسر إرادته أو إنهاء قضيته. ومن يعتقد أن القوة العسكرية أو الاستقواء بالسلطة قادر على إنهاء قضية شعب الجنوب، فهو يكرر أخطاء الماضي ذاتها.
فلم يأتِ نظام أقوى من نظام علي عبدالله صالح، ومع ذلك واجهه شعب الجنوب بصدور عارية، ولم يهدأ يومًا أو يتراجع عن قضيته العادلة.
مراجعة تجربة الشراكات السياسية
مثّل انخراط المجلس الانتقالي الجنوبي في شراكة مع منظومة الشرعية محطة جدلية في المسار الجنوبي، حيث كان الخروج من تلك الشراكة مطلبًا شعبيًا واسعًا، في ظل قناعة راسخة لدى قطاعات كبيرة من الشارع الجنوبي بأنها شراكة مشبوهة حملت في طياتها فخًا سياسيًا.
وقد أسهمت تلك الشراكة، بصورة مباشرة، في إحداث تصدّع داخل الشارع الجنوبي، كما شكّلت أخطاء المجلس الانتقالي خلالها نقطة ضعف استغلها الخصوم، حيث جرى تحميله مسؤولية إخفاقات الحكومة، وتوجيه الأقلام ضده ليلًا ونهارًا، في وقت لم يُدرك فيه الانتقالي حجم الاستهداف، وأصرّ على البقاء في شراكة اعتقد أنها قد تفتح له باب استعادة الجنوب، وهي حسابات أثبتت الوقائع أنها كانت خاطئة، إذ كان الشريك يتربص ويخطط منذ البداية.
وضوح الصورة وتوحّد الإرادة الجنوبية
اليوم، ومع اتضاح الصورة بشكل أكبر، بدأ الشارع الجنوبي يرى بوضوح ما يصفه بالكشف الكامل لوجه القوى الشمالية، وعلى رأسها حزب الإصلاح، التي لم تتعامل مع الحوثي – الذي أخرجها من ديارها – كعدو حقيقي بقدر ما ظل الجنوب هو العدو الرئيسي في نظرها.
هذا الوعي المتنامي مرشح لأن يقود إلى مزيد من التماسك والتوحد في الصف الجنوبي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن شعب الجنوب لا يقدّس الأشخاص، ولا يرتهن لمكوّن بعينه، وأن استعادة دولة الجنوب بالنسبة له مسألة حياة أو موت لا تقبل المساومة أو التنازل.
العلاقة مع المملكة العربية السعودية وأهمية الحوار
فيما يتعلق بالعلاقة مع المملكة العربية السعودية، فإن ما يشوبها من إشكالات في المرحلة الراهنة هو نتاج ظروف سياسية وأمنية معقدة فرضتها تطورات معينة، وهي إشكالات لا يمكن النظر إليها باعتبارها خلافًا دائمًا أو قطيعة استراتيجية، بل هي حالة عابرة ستنتهي يومًا ما بزوال أسبابها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإشادة بدعوة الحوار الجنوبي–الجنوبي التي أطلقتها المملكة العربية السعودية، باعتبارها خطوة إيجابية تعكس إدراكًا بأن لا سبيل لحل قضية شعب الجنوب إلا عبر الحوار، وبما يضمن تمثيلًا حقيقيًا لإرادة الجنوبيين، بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الحلول الجاهزة.
الحوار بوصفه المسار الوحيد للحل
إن لغة الحوار تظل الخيار الأجدى والأكثر واقعية لمعالجة تعقيدات المشهد الجنوبي، سواء على مستوى الداخل الجنوبي نفسه، أو في إطار العلاقة مع الأطراف الإقليمية. فالحوار الجنوبي–الجنوبي يمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وتجاوز الخلافات، وبناء موقف موحد يعبر عن تطلعات شعب الجنوب ويحمي قضيته من محاولات الاستهداف أو الالتفاف.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التمسك بلغة الحوار كخيار حضاري ومسؤول لإدارة الخلافات وتجاوز التباينات. فالحوار الجنوبي–الجنوبي يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز التماسك الداخلي، ومعالجة الاختلالات، وبناء رؤية مشتركة تعكس تطلعات شعب الجنوب وتحفظ تنوعه السياسي والاجتماعي.
شعب الجنوب عامل الحسم وصاحب كلمة الفصل
في المحصلة، تؤكد تطورات الساحة الجنوبية أن شعب الجنوب سيبقى العامل الحاسم وصاحب الكلمة الفصل، القادر على قلب الطاولة متى ما شعر أن قضيته تتعرض للتهديد. إنها قضية شعب متجذرة، لا ترتبط بأشخاص أو كيانات، ولا يمكن إنهاؤها بالقوة أو بالمناورات السياسية، بل لا حل لها إلا عبر حوار جاد ومسؤول، يعترف بحقوق شعب الجنوب وتضحياته، ويمهد الطريق نحو سلام عادل ومستدام.
إن أي مسار مستقبلي ناجح لقضية الجنوب يظل مرهونًا بقدرة الجنوبيين على إدارة شؤونهم بروح الشراكة والتفاهم، والابتعاد عن منطق الإقصاء أو التصعيد غير المحسوب. فالقضية الجنوبية، بما تحمله من عدالة وتضحيات، تستحق خطابًا متزنًا، ورؤية جامعة، ومسارًا حواريًا يعزز حضورها ويصونها من محاولات الاستغلال أو التشويه.
وفي المحصلة، يبقى الجنوب بقضيته وشعبه هو الثابت الأساسي في كل المتغيرات، وتظل إرادة أبنائه هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، نحو مستقبل يعبّر عن تطلعاتهم المشروعة، ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا وعدالة.











