شكّل حزب الإصلاح، بوصفه الواجهة السياسية لتنظيم الإخوان في اليمن، نموذج واضح للتلون السياسي وتبديل المواقف وفقًا للظروف والمصالح، لا وفقًا لمتطلبات الوطن أو استحقاقات الشراكة الوطنية.
فمنذ اندلاع الأزمة اليمنية، سعى الحزب إلى توظيف التحالفات الإقليمية والغطاء الشرعي لتحقيق أجندته الخاصة، ولو كان الثمن زعزعة الاستقرار وإشاعة الفوضى في المناطق المحررة، وعلى رأسها الجنوب.
في المرحلة الأخيرة، حاول حزب الإصلاح استغلال طبيعة علاقته الراهنة مع الرياض لتكريس نفوذه في الجنوب، رغم إدراكه المسبق بعدم قبوله شعبيا هناك وهذا الرفض الجنوبي لم يكن وليد اللحظة، بل ناتج عن تراكم طويل من التجارب السلبية، وسلوكيات سياسية وأمنية أثبتت أن الحزب ينظر إلى الجنوب كساحة نفوذ لا كشريك وطني.
وقد تجلّى هذا السلوك بوضوح في ما شهدته العاصمة عدن من محاولات متعمدة لزرع الفوضى، عبر ضخ إعلامي هستيري تبنته منصات محسوبة على حزب الإصلاح، سعت إلى تشويه الواقع الأمني، وبث الشائعات، وتأليب الرأي العام وكان من غير المقبول عقلاً ومنطق أن تصدر مثل هذه الممارسات من حزب يفترض أنه جزء من منظومة “الشرعية” التي تدّعي العمل على استعادة الدولة وبسط الأمن.
هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة كشف بوضوح أن الحزب لا يتعامل مع مفهوم الدولة إلا كأداة مرحلية، وأن الفوضى تمثل له وسيلة ضغط حين تعجز أدواته السياسية عن تحقيق أهدافه فكلما ضاقت عليه السبل، لجأ إلى سياسة خلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، ومحاولة تحميل المسؤولية للآخرين.
غير أن ما لم يكن في حسبان حزب الإصلاح، هو مستوى الوعي الإقليمي والمحلي تجاه هذه المخططات فقد تنبّه الأشقاء في المملكة العربية السعودية مبكرا لخطورة العبث بالوضع الأمني في عدن، وأدركوا أن استقرار الجنوب يمثل ركيزة أساسية لأي تسوية سياسية شاملة في اليمن. وعلى هذا الأساس، جرى العمل على إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية في عدن، بالتنسيق مع قوات العمالقة وبقية الأجهزة الأمنية، ما أسهم في إفشال مخطط الفوضى الذي سعى إليه الإصلاح.
إلى جانب الدور الإقليمي، كان لوعي المواطن الجنوبي دور محوري في إحباط هذه المحاولات. فقد أثبت الشارع العدني، ومعه بقية محافظات الجنوب، أنه بات أكثر إدراكًا لطبيعة المعركة، وأكثر قدرة على التمييز بين من يعمل لأجل الأمن والاستقرار، ومن يوظف الأزمات لخدمة أجندات حزبية ضيقة. هذا الوعي الشعبي شكّل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التضليل الإعلامي والتحريض المنهجي.
واليوم، وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة الملحّة إلى خطاب جنوبي متزن ومسؤول، خطاب لا ينجرّ إلى الاستفزاز، ولا ينساق خلف ردود الفعل العاطفية، بل يقوم على الوضوح السياسي، والتمسك بالثوابت، وكشف المخططات بلغة عقلانية إن تفويت الفرصة على حزب الإصلاح وأمثاله لا يتحقق بالصدام الإعلامي فقط، بل ببناء خطاب وطني جنوبي جامع، يعزز الثقة بالمنجزات الأمنية، ويدعم الاستقرار، ويضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.
فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل معركة وعي وخطاب، ومن يملك الوعي ويُحسن إدارة الخطاب، هو الأقدر على حماية مكتسباته وإفشال مشاريع الفوضى، مهما تعددت ألوانها وتبدلت وجوهها.










