آخر تحديث :السبت 10 يناير 2026 - الساعة:00:31:53
رسائل الرياض الهادئة وتحولات المشهد في حضرموت والمهرة
(الأمناء/ خاص)

.

تواصل المملكة العربية السعودية تشتيت الضغط عليها بالضغط على المجلس الانتقالي، منذ سيطرة القوات الجنوبية على المهرة ووادي حضرموت في 3 ديسمبر الجاري، لكن المملكة لا يمكن فهم مواقفها من تحركها المعلن، أو فهمها استنتاجاً من قناتي «الحدث» و«العربية»، أو بالأصح من خلال صدامية محرر الملف اليمني في القناتين، بل من خلال رسائل تمررها ومواقف دولية تنطلق بهدوء بإيعاز منها.

أمس الخميس أعلنت وزارة الداخلية السعودية تنفيذ حكم القتل تعزيراً بحق قابوس سعيد طالب الكثيري، يمني الجنسية، المتهم باغتيال قائد قوات التحالف بوادي حضرموت العقيد بندر بن مزيد العتيبي، بعملية إرهابية في سبتمبر/أيلول 2019 بمدينة شبام، التي كانت تحت سيطرة المنطقة العسكرية الأولى. كان توقيت تنفيذ حكم الإعدام رسالة أعطت حجة المجلس الانتقالي، تعزيزاً هو الحاسم من تعزيزات عسكرية «درع الوطن» التي يسوقها إعلام جماعة الإخوان كقوة ذاهبة للصدام مع القوات الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة.

دون شك، فهم المجلس الانتقالي أن تنفيذ حكم الإعدام لقاتل قائد القوات السعودية، وهو إخواني الانتماء، في هذا التوقيت، يعني: كنتم الضحية على مدى ثلاثين عاماً، وكنا الضحايا على مدى السنوات العشر الماضية. وعلى هذا الأساس، لم ينجرّ إعلام المجلس الانتقالي وراء تصعيد قناتي «الحدث» و«العربية»، بل تموضع ببعد نظر، يراقب المواقف الدولية ويقرأ من خلالها الموقف السعودي. وكان من جملتها ما قالته الأمم المتحدة (أوتشا) إن الوضع في وادي حضرموت مستمر في الاستقرار عقب التحولات الأخيرة في السيطرة على الأرض، وفي إشارة إلى تطبيع الأوضاع قالت إن هناك حظراً لحمل السلاح في مدن وادي وصحراء حضرموت، وإن الخدمات الأساسية عادت إلى مستويات ما قبل التصعيد.

استمرار جماعة الإخوان في قراءة حظها من الموقف السعودي يشبه إلى حد كبير طلاباً مشاغبين طوال العام، ينتظرون من نتيجة هدوئهم في آخر يوم دراسي شهادة حسن السيرة والسلوك. لكن في الحقيقة، ليس هذا ما تتركز عليه الجماعة التي خسرت نفوذها في وادي وصحراء حضرموت ومحافظة المهرة، ومعها خسرت جماعة الحوثي ذات النفوذ الذي استطاعت المنطقة العسكرية الاولى الحفاظ على توازناته الإخوانية الحوثية، ورعايا الجماعتين اللتين يسميهما المجلس الانتقالي القاعدة وداعش، التي لم تكشف المملكة بعد أيهما أُسندت إليه مهمة قتل أربعة من ضباطها قبل عام في صالة رياضية داخل مقر المنطقة العسكرية الأولى.

تدرك جماعة الإخوان جيداً أن المملكة قد استنفدت ثقتها بخصوم المجلس الانتقالي في الشرعية، ومثلما لا تفضل مصارحتهم بذلك وبصورة مباشرة في هذا التوقيت، فإنها لا يمكن أن تتخذ من المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية طرفاً متمرداً على سياستها إلى درجة القطيعة، بل أخاً فتيّاً كبر بسرعة ويفكر بالاعتماد على الذات، لكن عضده بعضدها، والفكاك منه خسارة عضلة من عضلات المملكة التي لا غنى عنها في حلبة الحاضر والمستقبل، في الصراع مع مشروعين معاديين تقوم عقيدتهما على أن إضعاف المملكة مدخل نفاذهما في المنطقة وتزعم الأمة. ولا يكون ذلك إلا بإحداث تشنجات في جهازها العصبي والعضلي في الداخل والخارج، وفي عزل الديوان الملكي عن حلقات ملحقة باتت، لا سيما في الشأن اليمني، شبه منفردة في صناعة القرار لصالح مصالحها وعلاقاتها الشخصية. وهنا تحدق جماعة الإخوان بعينها الغامزة لمواجهة المجلس الانتقالي مجدداً بعد هزيمتها، وبالعين الأوسع تتابع مقاربة جاهزيتها القتالية من خارج حدود المسموح به من قبل المملكة.

وقد برزت مؤخراً مؤشرات تشير إلى دعم ومساندة المليشيات لقوات الإخوان، تمثلت في ما كشفته مصادر بمحافظة مأرب – المعقل البديل لجماعة الإخوان العسكري والسياسي منذ عام 2015 – من تحركات حوثية قادتها شخصيات قبلية وقيادات إخوانية بصنعاء، شرعت منذ السابع من ديسمبر الجاري بتعزيز القدرات العسكرية للجماعة والقوات الموالية لها بالسلاح، وتسهيل نقل حشود قبلية مسلحة من صنعاء وذمار وعمران إلى محافظة مأرب، وإرسال متخصصين في الطيران المسيّر، وثلاث منصات إطلاق صواريخ، اثنتان كانتا ضمن منظومة الحوثيين في استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، ومنصة نُقلت من محافظة الجوف أُطلقت منها جماعة الحوثي صواريخ فرط صوتية نحو إسرائيل. ولمحت المصادر إلى أن قبول جماعة الحوثي بتزويد قوات الإخوان بهذه المنصات جاء بعد التزام الأخيرة بخوض معركة مشتركة ضد أي طرف إقليمي يحاول دون استعادة ما وصفتها بالسيادة اليمنية، ورجحت المصادر أن المقصود بدرجة رئيسية دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية. كما كشفت المصادر أن جماعة الإخوان قبلت بشروط ستعجّل بصدامها مع المملكة قبل الإمارات، من بينها التعامل مع قوات «درع الوطن» المدعومة من المملكة كجهة معادية. وكانت وسائل إعلامية محسوبة على جماعة الإخوان، مثل «موقع المصدر أونلاين»، قد بدأت التمهيد لذلك من خلال تحميل قوات درع الوطن خسارة محافظة المهرة ووادي وصحراء حضرموت، واتهام قيادة الدرع بالخيانة.

في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن المملكة العربية السعودية تدير المشهد في حضرموت والمهرة بسياسة الرسائل الهادئة لا التصعيد العلني، فيما تتجه جماعة الإخوان، مدفوعة بخسائرها، نحو خيارات أكثر خطورة تضعها في مسار صدامي مع محيطها الإقليمي. وبين هذا وذاك، يتبلور واقع جديد عنوانه أن موازين القوى في الشرق من عدن لم تعد قابلة للعودة إلى ما كانت عليه، وأن قراءة الرسائل الخاطئة قد تقود إلى نتائج لا يمكن تداركها وان الارتماء في احضان الحوثي هو نهاية جماعة الاخوان ليس في الجنوب بل وفي مأرب


#

شارك برأيك